علم المناعة · global
ذاكرة المناعة في الرئة أطول أمداً منها لدى الفئران: أطلس الخلايا التائية البشرية يعيد رسم تصورات الدفاعات التنفسية
تتبّع فريق البحث أكثر من 87 ألف خلية تائية رئوية تحمل مؤشرات على التعرّف إلى مسببات الأمراض، ووجد أن بعض نسائل الذاكرة المقيمة في الأنسجة قد تبقى لأشهر بل لسنوات؛ كما تشير النتائج إلى أن الاعتماد على فحوص الدم وحدها قد لا يكشف المناعة الأساسية التي تُنشئها اللقاحات في الجهاز التنفسي.
بعد الإصابة بعدوى تنفسية، إلى متى يمكن أن تبقى الذاكرة المناعية في الرئتين؟ أظهرت دراسات سابقة على الفئران أن الخلايا التائية للذاكرة المقيمة في أنسجة الرئة تتناقص سريعاً، ما أثار الشك في ما إذا كان هذا الخط الدفاعي الموضعي قصير الأمد بطبيعته. لكن دراسة بشرية منشورة في مجلة «Nature Immunology» تعرض الآن صورة مختلفة: إذ تستطيع الرئة البشرية الاحتفاظ على المدى الطويل بنسائل من الخلايا التائية مرتبطة بمجموعة متنوعة من مسببات الأمراض، ويمكن التعرّف إلى بعضها حتى بعد مرور سنوات.
حلّلت مؤسسات، من بينها معهد لا هويا لعلم المناعة وجامعة ليفربول، أنسجة رئوية غير ورمية من 40 مشاركاً تراوحت أعمارهم بين 61 و83 عاماً، وجمعت بين تحليل النسخ أحادي الخلية وتسلسل مستقبلات الخلايا التائية المقترنة لإنشاء أطلس مناعي للرئة والعقد اللمفاوية المصرفة لها. ثم استخدم الباحثون مستقبلات الخلايا التائية بوصفها «رموزاً شريطية جزيئية» للتعرّف إلى المستضدات، وقارنوها بالمستقبلات النوعية لمسببات الأمراض الموجودة في دم المشاركين وقواعد البيانات القائمة، لاستنتاج الأهداف المحتمل أن تتعرّف إليها أكثر من 87 ألف خلية تائية رئوية.
أظهر الأطلس أن رئات معظم المشاركين احتوت في الوقت نفسه على خلايا تائية للذاكرة المقيمة في الأنسجة قادرة على التعرّف إلى عدة مسببات للأمراض، بما في ذلك الإنفلونزا A وSARS-CoV-2 ونظير الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي والفيروس الرئوي التالي البشري، إضافة إلى الفيروس المضخم للخلايا وفيروس إبشتاين-بار وبكتيريا السعال الديكي وفطر الرشاشية الدخناء. ولا يعني ذلك أن قدرة كل خلية على منع العدوى قد ثبتت، لكنه يوضح أن الخبرة المناعية المحفوظة في الرئة أكثر تعقيداً بكثير من الأثر الذي يتركه فيروس واحد.
وجاء الدليل الأكثر مباشرة على الاستمرارية من 6 مشاركين خضعوا لعمليتين جراحيتين متتاليتين في الرئة. وفصلت بين عمليتي أخذ العينات مدة تراوحت بين 7 و304 أسابيع؛ ووجد الباحثون أن نسبة ملحوظة من الخلايا التائية CD4 وCD8 للذاكرة المقيمة في الأنسجة تشاركت نسائل المستقبلات نفسها بين النقطتين الزمنيتين. ولدى مشارك كانت الفترة الفاصلة لديه الأطول، إذ تجاوزت 5 سنوات، أمكن في العينة الثانية العثور على أكثر من نصف النسائل التي كانت قد توسعت بدرجة كبيرة في الأصل، ما يدعم إمكانية بقاء جزء من الذاكرة المناعية الرئوية موضعياً على المدى الطويل.
وتبرز هذه النتيجة أيضاً اختلافات لا يمكن تجاهلها بين البشر والفئران. فقد كان التداخل محدوداً بين النسائل المقيمة في الرئة البشرية والخلايا التائية الموجودة في العقد اللمفاوية المصرفة للرئة والدم، ما يشير إلى أنها لا تعتمد أساساً على التجدد المستمر من الخلايا الدائرة. وإذا كان هدف اللقاحات هو الحد من حالات العدوى التنفسية الشديدة، فقد يحتاج الباحثون إلى تقييم ما إذا كان اللقاح يستطيع إنشاء مناعة مقيمة ودائمة في الرئة أو أنسجة تنفسية أخرى، بدلاً من استنتاج الفاعلية بالاعتماد فقط على استجابات الأجسام المضادة والخلايا التائية في الدم.
ومع ذلك، ليس من السهل تحويل هذا الاكتشاف إلى أداة لتقييم اللقاحات. فلا يمكن الحصول على أنسجة الرئة بصورة روتينية كما هو الحال مع الدم، ولا تزال هناك حاجة إلى تطوير طرق بديلة أكثر قابلية للتطبيق لأخذ العينات ومؤشرات بديلة موثوقة؛ كما أن الدراسة نفسها لم تقارن مباشرةً كيفية تشكيل اللقاحات المختلفة لهذه الخلايا، ولم تثبت أن بقاء النسائل يعني بالضرورة وجود حماية سريرية.
كما تحدّ قابلية العينات للتمثيل من تعميم الاستنتاجات. فقد كان المشاركون الرئيسيون جميعاً من البريطانيين البيض الأكبر سناً الذين خضعوا لجراحة استئصال سرطان الرئة في مرحلة مبكرة. وعلى الرغم من أن التحليل استند إلى أنسجة طبيعية المظهر مأخوذة بعيداً عن الورم، فإنها لا تمثل بالضرورة الشباب أو المجموعات السكانية المختلفة أو الرئات السليمة تمثيلاً كاملاً. كذلك اقتصرت المتابعة طويلة الأمد على 6 أشخاص فقط. وستتطلب الخطوة التالية تأكيد هذا الأطلس لدى فئات عمرية وخلفيات سريرية أكثر تنوعاً، والاختبار المباشر للتغيرات في الخلايا التائية الرئوية قبل التطعيم وبعده، وعلاقتها بخطر العدوى.