التكنولوجيا الحيوية · global
ليس مجرد استبدال للأحماض الأمينية: Raygun يعلّم الذكاء الاصطناعي كيفية تغيير حجم البروتينات الطبيعية
ينطلق نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي هذا من بروتينات ذات وظائف قائمة، ويعيد في الوقت نفسه كتابة تسلسلاتها وأطوالها؛ وقد أثبتت التجارب الخلوية أن بعض النسخ المصغّرة لا تزال قادرة على إصدار الضوء أو التحفيز، لكن التخفيضات الكبيرة كشفت أيضًا الحدود التي تبدأ عندها الوظيفة بالتلاشي.
غالبًا ما تشبه هندسة البروتينات استبدال قطع في آلة دقيقة: فحتى الاستبدال في موضع واحد ليس سهلًا، وتزداد الصعوبة عند إضافة أو حذف مقاطع كاملة من الأحماض الأمينية من دون الإضرار بطيّ البروتين ووظيفته. ويحاول إطار الذكاء الاصطناعي التوليدي Raygun، المنشور في مجلة «Nature»، تحويل هذه المهمة إلى مسألة تصميم قابلة للتحكم، بحيث يستطيع الباحثون الانطلاق من بروتينات طبيعية موثوقة، وتحديد مقدار التغيير في التسلسل ومدى تقصير المنتج النهائي أو إطالته.
يستند Raygun إلى تمثيلات نموذج اللغة البروتيني ESM-2. فهو يضغط تسلسلات الأحماض الأمينية متفاوتة الطول في توزيعات احتمالية ثابتة الأبعاد، ثم يعيد بناء التسلسل وفق الطول المستهدف، ما يتيح له تنفيذ الاستبدال والإدراج والحذف معًا ضمن عملية توليد واحدة. دُرّب النموذج المستخدم في الدراسة على نحو 80 ألف بروتين من UniRef50؛ في حين تشير النسخة الأقدم المؤرشفة علنًا من النموذج المدرّب مسبقًا إلى استخدام 95 ألف عينة، ما يدل على أن تجارب الورقة البحثية ونسخة النموذج العامة ليستا متطابقتين تمامًا.
كان الاختبار الأكثر مباشرة هو تصغير بروتيني الفلورة الشائعين eGFP وmCherry. ولّد الفريق أولًا 70 ألف تسلسل مرشح لكل منهما، ثم رشّحها وفق شروط شملت العائلة البروتينية والمعقولية التطورية وتوقع السطوع، قبل إدخال 8 مرشحين إلى خلايا HEK293. وأظهر 6 منها فلورة أعلى من الخلفية؛ ولم يتجاوز طول أقصر نسختين ناجحتين 199 و206 أحماض أمينية على التوالي، أي إنهما أقصر من 96% من البروتينات الفلورية في قاعدة بيانات FPbase. لكن سطوعهما كان أقل من القالب الأصلي، ولذلك فهما في المرحلة الحالية أقرب إلى هياكل أساسية قابلة للتحسين لاحقًا بالتطور، لا إلى بدائل جاهزة للاستخدام المباشر.
تكمن القيمة العملية لتصغير البروتينات في تقليل العبء الذي تفرضه على التجارب أو أنظمة التوصيل. فقد تقلل الواسمات الفلورية الأقصر تأثير الاندماج في البروتينات الصغيرة، وقد تساعد أيضًا نواقل العلاج الجيني على استيعاب تسلسلات ترميز كانت أكبر من سعتها. لذلك اختبر الباحثون Raygun كذلك باستخدام إنزيم الوسم التقاربي TurboID: تمكّن 6 من أصل 11 مرشحًا من التعبير في الخلايا، لكن نسختين فقط، جرى تقصيرهما بنسبة 1% و6%، أظهرتا نشاطًا ملحوظًا لإنزيم ليغاز البيوتين؛ أما النسخة التي خُفّض حجمها بنحو النصف إلى 165 حمضًا أمينيًا فقط، فقد أمكن التعبير عنها، لكن نشاطها التحفيزي لم يكن ملحوظًا.
يستطيع Raygun أيضًا العمل في الاتجاه المعاكس وإطالة البروتينات. استخدم فريق البحث عامل نمو البشرة (EGF)، المؤلف من 53 حمضًا أمينيًا، قالبًا لتوليد مرشحين بطول يتراوح بين 55 و57 حمضًا أمينيًا، ثم استخدم نموذج ProTrek لترشيحهم بحسب قدرتهم على الارتباط بـEGFR. أمكن التعبير عن المرشحين الأربعة الذين خضعوا للتجربة، وبلغ ثابت التفكك لاثنين منهم مع EGFR مقدار 0.274 و0.561 ميكرومول على التوالي، مقارنة بـ0.759 ميكرومول لـEGF من النمط البري. كما حلّ مسار العمل الذي يجمع Raygun وProTrek ضمن المراكز العشرة الأولى في مسابقة خارجية لتصميم بروتينات ترتبط بـEGFR، ما وفّر سياقًا للمقارنة مستقلًا عن عمليات الترشيح الداخلية للفريق.
تشير هذه النتائج إلى أن الاستكشاف انطلاقًا من بروتينات موجودة قد يحافظ على جزء من الوظائف الناضجة بسهولة أكبر من التصميم الكامل من الصفر؛ لكن «بقاء البنية المتوقعة متشابهة» لا يعني «اكتمال الوظيفة البيولوجية». فانخفاض سطوع البروتينات الفلورية وفقدان النسخة شديدة التصغير من TurboID لنشاطها الملحوظ يُظهران أن الأنماط التطورية التي يتعلمها نموذج اللغة قد لا تحافظ على الأداء التحفيزي المعزز اصطناعيًا. كما أن نتائج EGF لا تثبت سوى قوة ارتباط أعلى في المختبر، ولم تجب بعد عن أسئلة تنشيط المستقبلات أو التأثيرات الخلوية أو الاستقرار أو السلامة العلاجية.
يشبه Raygun حاليًا مولّدًا للمرشحين في هندسة البروتينات أكثر من كونه نظامًا يسلّم منتجات نهائية تلقائيًا. ولتحويل هذه المرشحات فعليًا إلى أدوات بحثية أو أدوية، لا بد من إلحاقها بفحوص وظيفية وتطور موجّه وتقييم للمناعية وتجارب على الحيوانات؛ وقد تتطلب البروتينات الطويلة ومتعددة النطاقات أيضًا ضبطًا دقيقًا إضافيًا. ولا تكمن أهميته في أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تغيير حجم جزيئات الحياة كيفما يشاء، بل في أنه أدخل للمرة الأولى عمليات إدراج وحذف واسعة النطاق في التسلسلات ضمن تصميم موجّه بالقوالب، ورسم حدود قدراته وإخفاقاته من خلال تجارب خلوية وتجارب ارتباط.