→ العودة إلى الصفحة الرئيسية

توجيه الخلايا البائية النادرة إلى المسار الصحيح: ثلاث دراسات على الرئيسيات تدفع تصميم لقاح HIV قدماً

درّبت فرق البحث الخلايا البائية تدريجياً باستخدام تحصين تمهيدي وجرعات معززة متتابعة، ما مكّن قرود المكاك من إنتاج أجسام مضادة قادرة على مواجهة سلالات متعددة من HIV؛ وللمرة الأولى، تحقق تقدم قبل سريري متسق عبر مسارات متعددة للأجسام المضادة في مواجهة هذا التحدي المستمر منذ سنوات.

By SURL BioNews

لا تكمن أصعب جوانب تطوير لقاح HIV في تحفيز استجابة مناعية فحسب، بل في دفع خلايا بائية نادرة للغاية عبر مسار نضج طويل ودقيق، لتنتج في النهاية «أجساماً مضادة واسعة التحييد» تستطيع التعرّف إلى العديد من متحورات الفيروس. وقد حققت ثلاث دراسات على رئيسيات غير بشرية هذا الهدف انطلاقاً من مداخل مختلفة، ما يشير إلى أن اللقاح قد يعمل كمنهج تعليمي متعدد المراحل: يحدّد أولاً الخلايا البائية المناسبة، ثم يستخدم تحصينات متتابعة لتوجيه استجابة الأجسام المضادة نحو المواضع الهشة في غلاف HIV.

في إحدى الدراسات، رتّب الباحثون بروتينات الغلاف الثلاثية من سلالات مختلفة من HIV على أسطح الجسيمات الشحمية، ثم لقّحوا قرود المكاك بها تباعاً. وأظهرت الحيوانات الستة التي تلقت هذا اللقاح متعدد التكافؤ القائم على الجسيمات الشحمية استجابات تحييد مصلية عابرة للسلالات من دون استثناء؛ وتمكنت أجسام IgG المضادة في مصل كل حيوان من تحييد أكثر من 49% من أصل 67 فيروساً خاضعاً للاختبار، فيما بلغت النسبتان لدى أفضل حيوانين أداءً 70% و64% على التوالي. وأظهر المجهر الإلكتروني فائق البرودة أيضاً أن الأجسام المضادة لدى أربعة من قرود المكاك هاجمت قمة الغلاف الثلاثي لـHIV بطريقة تشبه عمل الجسم المضاد البشري واسع التحييد PG9.

وركزت دراسة أخرى على خط انطلاق الاستجابة المناعية. فقد صمم الباحثون المستضد CAP256.OPT4 خصيصاً لتنشيط الخلايا البائية السلفية القادرة على التطور إلى أجسام مضادة واسعة التحييد تستهدف قمة V2؛ ومقارنة ببروتين غلاف HIV من النمط البري، ارتفعت كفاءته في بدء الاستجابة بنحو 30 إلى 400 ضعف. وسواء جرى التوصيل بواسطة فيروس نقص المناعة الكيميري القردي/البشري، أو جسيمات نانوية بروتينية، أو mRNA، رصد فريق البحث استجابات البدء خلال أربعة أسابيع، وقاس اتساع التحييد في البلازما عند نحو 12 أسبوعاً.

في هذه المجموعة من التجارب، شمل نطاق التحييد لدى أكثر من 90% من قرود المكاك فيروسات تحمل غليكان Asn130 الذي يصعب اختراقه، بل إن بعض الحيوانات المصابة بالفيروس الكيميري تمكنت من تحييد 90% من أصل 21 فيروساً خاضعاً للاختبار. وكشف التحليل البنيوي أن ثلاث سلالات من الأجسام المضادة كوّنت مناطق محدِّدة للتكامل في السلسلة الثقيلة طويلة ونحيلة وشبيهة بالإبر، قادرة على اختراق حاجز السكريات عند قمة الغلاف؛ وتوضح هذه النتيجة أن اللقاح لم ينتج نشاطاً مصلياً يبدو واسع النطاق فحسب، بل حفّز أيضاً البنى الجزيئية المتوقعة.

أما الدراسة الثالثة، فأكملت نظاماً للاستهداف السلالي التمهيدي والتعزيز موجهاً إلى منطقة غليكان V3 في غلاف HIV، واستحثت خلايا بائية ذاكرية شبيهة بـBG18 لدى رئيسيات غير بشرية ذات خلفيات جينية مختلفة. وشكّل نصف الحيوانات على الأقل سلالات من الأجسام المضادة واسعة التحييد، وبلغ اتساع تحييد هذه الأجسام المضادة ما يصل إلى 67% من اتساع الجسم المضاد المرجعي BG18؛ كما ظهر لدى 44% من الحيوانات نشاط واسع التحييد يمكن قياسه في المصل، ووصل العيار في حالة واحدة إلى النطاق الذي توقع الباحثون أنه قد يوفر حماية من عدة عزلات لـHIV. وأظهرت البيانات البنيوية أيضاً أن الأجسام المضادة المستحثة باللقاح أعادت إنتاج طريقة التلامس الرئيسية بين الأجسام المضادة البشرية الشبيهة بـBG18 وغلاف الفيروس.

تكمن الدلالة المشتركة للدراسات الثلاث في أنها لم تعد تراهن على الحصول مصادفةً على الجسم المضاد المنشود بعد جرعة واحدة، بل استخدمت «الاستهداف السلالي» والتحصين المتسلسل لتنشيط الخلايا السلفية النادرة أولاً، ثم انتقاء الطفرات المفيدة تدريجياً. وقد اختلفت الدراسات في مناطق الغلاف المستهدفة، ومنصات التوصيل، وأعداد الحيوانات، ومجموعات الفيروسات الخاضعة للاختبار، ولذلك لا يمكن ترتيب نسب التحييد فيها مباشرةً عبر مقارنات أفقية؛ كما تظل إمكانية دمج الاستراتيجيات المختلفة سؤالاً للمرحلة التالية.

أما القيد الأهم، فهو أن هذه النتائج لا تزال مستمدة من رئيسيات غير بشرية، وتثبت أساساً قدرة اللقاحات على تشكيل سلالات الأجسام المضادة المطلوبة، لكنها لم تثبت بعد قدرتها على الوقاية من عدوى HIV لدى البشر. وقد تختلف لدى البشر وتيرة الخلايا البائية السلفية، وسرعة النضج المناعي، وعدد الجرعات، وعيار الحماية، ومدى استدامتها. ويتعين على الدراسات السريرية المقبلة الإجابة عن سؤالين: هل يمكن إعادة إنتاج هذا التوجيه المناعي الدقيق بصورة مستقرة لدى مجموعات بشرية متنوعة، وهل تتحول الأجسام المضادة الناتجة عنه فعلياً إلى حماية مستدامة من العدوى؟

References

  1. Nature
  2. Nature
  3. Nature
  4. Nature