علم الأحياء التطوري · global
هل لا يمضي التطور في خط مستقيم؟ دراسة جديدة تضع نظرية «الطفرات المحايدة» تحت الضغط
يقترح فريق من جامعة ميشيغان أن كثيرا من الطفرات ربما كانت نافعة في وقت ما، لكن البيئة تغيّرت بسرعة كبيرة بحيث فقدت ميزتها قبل أن يتاح لها التثبّت؛ وهذا لا يدحض نظرية التطور، بل يعيد فهم الانتقاء الطبيعي داخل عالم أشد اضطرابا.
غالبا ما يُتخيَّل التطور على أنه صعود طويل تتكيف فيه الأنواع تدريجيا مع بيئتها، لكن العالم الحقيقي قد يكون أقرب إلى مطاردة هدف يتحرك باستمرار. تتحدى دراسة من جامعة ميشيغان رؤية شديدة التأثير في التطور الجزيئي: أن التغيرات الجينية التي تتثبت في النهاية داخل الجماعات تكون في معظمها تغيرات «محايدة»، لا ضارة ولا نافعة.
تمس هذه المسألة إطارا محوريا في علم الأحياء التطوري منذ أكثر من نصف قرن. فالنظرية المحايدة ترى أن الطفرات النافعة حقا نادرة على مستوى الجينات والبروتينات؛ أما الطفرات الضارة فكثيرا ما يزيلها الانتقاء الطبيعي، بينما تتراكم كثير من الفروق المتبقية داخل الجماعات بفعل الانحراف الجيني. ولا تنفي الدراسة الجديدة الظواهر الكثيرة التي فسرتها هذه النظرية، لكنها تشير إلى أن أحد افتراضاتها قد يحتاج إلى إعادة تقييم: فربما لا تكون الطفرات النافعة نادرة إلى هذا الحد.
استخدم فريق البحث بيانات المسح العميق للطفرات لتحليل أثر عدد كبير من الطفرات في الأداء النمائي لدى كائنات نموذجية مثل الخميرة والإشريكية القولونية. وأظهرت النتائج أن أكثر من 1% من الطفرات المغيرة للأحماض الأمينية التي جرى فحصها كانت لها آثار نافعة. وقد تبدو هذه النسبة منخفضة، لكنها إذا أُدرجت في النماذج التقليدية تقود إلى تنبؤ مبالغ فيه للغاية: أن الغالبية العظمى من استبدالات الأحماض الأمينية ينبغي أن تكون تغيرات تكيفية، وأن سرعة تطور الجينات ينبغي أن تكون أعلى مما يُرصد في الطبيعة.
قد يكمن مفتاح التناقض في أن البيئة لا تنتظر بهدوء حتى تُكمل الكائنات تكيفها. فالطفرة التي تزيد الملاءمة في ظروف اليوم قد تصبح عبئا غدا. ويطلق فريق البحث على هذه الفكرة اسم «تتبّع التكيف المصحوب بتعدد التأثيرات التضادي»: إذ تستجيب الجماعات باستمرار للتغيرات البيئية، لكن فوائد كثير من الطفرات وتكاليفها قد تنقلب مع تغير الخلفية.
ولاختبار هذه الفكرة، جعل الفريق الخميرة تتطور على مدى 800 جيل في حالتين: مجموعة بقيت في بيئة مستقرة، وأخرى تناوبت بين 10 أوساط زرع، مع استمرار كل شرط 80 جيلا. وأظهرت النتائج أن عدد الطفرات النافعة التي استطاعت التثبّت كان أقل في مجموعة البيئة المتغيرة؛ ليس لأن الطفرات النافعة لا تظهر، بل لأن الظروف تتغير بسرعة كبيرة، بحيث تفقد غالبا ميزتها الأصلية قبل أن تنتشر في الجماعة كلها.
السياق الخلفي
تقدم هذه الدراسة نموذجا لإعادة التوفيق بين ملاحظتين: يبدو أن المختبرات قادرة على العثور على عدد غير قليل من الطفرات النافعة، بينما غالبا ما تظهر الفروق الجزيئية في الجماعات الطبيعية بمظهر قريب من الحياد. فإذا كانت طفرات كثيرة نافعة في بيئات عابرة، ثم لم تتمكن لاحقا من التثبّت بسبب تغير السياق، فليس من الضروري أن تتعارض الملاحظتان. وبعبارة أخرى، قد تبدو نتائج التطور محايدة، مع أن العملية ربما كانت مدفوعة في وقت ما بالانتقاء الطبيعي.
ومع ذلك، ما زال الأمر يتطلب قراءة حذرة. فالأدلة الحالية تأتي أساسا من أنظمة نموذجية وحيدة الخلية مثل الخميرة والإشريكية القولونية، كما أن المسح العميق للطفرات والزراعة المختبرية لا يستطيعان إعادة إنتاج التعقيد البيئي للجماعات البرية بالكامل. وستحتاج الأبحاث المقبلة إلى مزيد من البيانات من كائنات متعددة الخلايا، ومن مقاييس بيئية مختلفة، ومن جماعات طويلة الأمد، حتى يمكن الحكم على مدى امتداد هذا الإطار. ولعل أقوى تذكير تقدمه الدراسة هو أن معنى التباين الجيني لا يُكتب في التسلسل وحده، بل يُكتب أيضا في تقلبات الزمن والبيئة.