علم الوراثة · global
ما وراء مندل: دراسة على الفئران تكشف مسارا خفيا لانتقال الوراثة اللاجينية
أظهرت دراسة على ثلاثة أجيال من الفئران أن علامات المثيلة على DNA قد تنتقل أحيانا بطرق لا تتوافق مع قواعد الوراثة الكلاسيكية، بل قد تظهر في النسل حتى عندما لا تكون مرصودة لدى الأبوين، ما يترك أسئلة أعمق حول العلاقة بين البيئة والنمو والوراثة.
لأكثر من مئة عام، أرست تجارب مندل على البازلاء هيكلا بسيطا وقويا لعلم الوراثة: ينقل الآباء نسخ الجينات إلى الأبناء، ويحدد السائد والمتنحي كيف تظهر كثير من الصفات. لكن الحياة لا تعمل قط وفقا لقائمة تسلسل جيني فقط. تذكّر أحدث دراسة على الفئران العلماء بأن العلامات الكيميائية الملتصقة بـDNA قد تحمل هي الأخرى بعض «الذكريات» إلى الجيل التالي، وأن المسارات التي تسلكها لا تتوافق بالضرورة مع قواعد الانفصال والتوزيع الموجودة في الكتب الدراسية.
هذه الدراسة، التي شاركت فيها فرق من جامعة جونز هوبكنز وجامعة تكساس إيه آند إم وغيرها، نُشرت في مجلة Nature Genetics. تتبع الباحثون الجينوم وحالة مثيلة DNA عبر ثلاثة أجيال من الفئران؛ والمثيلة نوع شائع من التعديلات اللاجينية، يمكن أن يؤثر في ما إذا كان تشغيل الجينات أو إسكاتها أسهل، من دون تغيير حروف DNA نفسها.
شملت الدراسة 26 فأرا من الجيل الأول، و34 من الجيل الثاني، و19 من الجيل الثالث، وحللت أنماطا متعددة من المثيلة الموروثة على الكروموسومات غير الجنسية. وأظهرت النتائج أنه من بين أنماط الانتقال اللاجيني التي جرى فحصها، لم يتوافق نحو 7% مع التوقعات المندلية؛ وحدد الفريق في المجمل 522 حالة من هذا النوع، شملت أيضا 54 حدثا نادرا «ناشئا»، أي أن الأبوين لم تكن لديهما علامة المثيلة نفسها، لكنها ظهرت في النسل.
هذا لا يعني أن قوانين مندل قد نُقضت. وبصورة أدق، لا تزال قواعد وراثة التسلسل الجيني في صميم علم الوراثة، لكن فوق التسلسل توجد في الخلايا طبقة من القواعد الكيميائية القادرة على تنظيم نشاط الجينات. كان العلماء يعرفون سابقا أن البصمة الجينية تجعل بعض الأليلات تختلف في تعبيرها بحسب أصلها الأبوي أو الأمومي؛ أما هذه الدراسة فتطرح مزيدا من حالات البصمة، وتُظهر أيضا أن هناك طرائق لانتقال المثيلة يصعب إرجاعها مباشرة إلى أي من الوالدين.
كان أكثر الخيوط لفتا للانتباه في الدراسة أن الفريق رصد قرب جين Capn11 ظاهرة تسمى «الطفرة البارامترية»: إذ يبدو أن حالة المثيلة على أحد الأليلات يمكن أن تؤثر في أليل آخر ليكتسب علامات مشابهة. وقد وُصفت ظواهر من هذا النوع سابقا في النباتات وذبابة الفاكهة، لكن هذه الدراسة وردت بوصفها أول مثال يحدث طبيعيا في الثدييات. ويرتبط Capn11 بالنمو الطبيعي للحيوانات المنوية، كما سبق ربط تغيرات الجين المناظر لدى البشر بالعقم وأمراض مرتبطة بالحيوانات المنوية، إلا أن هذا الاكتشاف في الفئران لا يمكن حاليا تعميمه مباشرة على آليات المرض لدى البشر.
من الناحية التقنية، استخدم فريق البحث تسلسل DNA طويل القراءة، لتحليل الفروق الجينية ومواضع المثيلة في مقاطع أكبر في الوقت نفسه. وهذا أكثر جهدا من طرق القراءة القصيرة المعتادة، لكنه يساعد على تمييز الأليل الذي تقع عليه علامة معينة، كما أتاح للباحثين مقارنة الجينوم والإبيجينوم على الخريطة نفسها.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها توسع مفهوم «الوراثة» من تسلسل DNA واحد إلى مسألة أكثر تجسيدا: فبعض الفروق القابلة للتوريث قد تأتي من علامات جزيئية تتجاوز حروف الجينات؛ أما ما إذا كان الغذاء أو الضغط النفسي أو الصدمات أو عوامل بيئية أخرى يمكن أن تؤثر في النسل عبر هذه العلامات، فلا يزال يحتاج إلى تجارب أكثر صرامة وبيانات بشرية للتحقق. في هذه المرحلة، تقدم الدراسة نموذجا قويا ومثيرا للاهتمام في الثدييات، لا إجابة بسيطة عن أمراض العائلات البشرية أو مخاطر نمط الحياة.