→ العودة إلى الصفحة الرئيسية

الإرث القديم لإنسان دينيسوفا لا يزال يضبط مناعة البشر اليوم

تكشف مقاطع بشرية قديمة في جينومات شعوب المحيط الهادئ عن تاريخ بعيد من الاختلاط؛ وهي ليست مجرد حاشية تطورية، بل قد تغيّر أيضا الطريقة التي يواجه بها الإنسان الحديث العدوى وضغوط المناعة.

By SURL BioNews

لا يتشكل جهازنا المناعي بفعل الحياة الحديثة وحدها. فالحمض النووي القديم المختبئ في أعماق جينوم الإنسان الحديث، كأنه ملاحظات صغيرة خلّفتها لقاءات سحيقة، قد يظل حتى اليوم مؤثرا في كيفية قراءة الخلايا للإشارات، وبدء الدفاعات، بل وتحديد مدى قوة عمل بعض الجينات المرتبطة بالمناعة لدى جماعات سكانية مختلفة.

وفقا لما أوردته ScienceDaily، تشير دراسة تناولت جينومات جماعات سكانية في منطقة المحيط الهادئ إلى أن أسلاف سكان أوقيانوسيا القريبة اختلطوا بما لا يقل عن ثلاث جماعات مختلفة من إنسان دينيسوفا. ودينيسوفا فرع منقرض من البشر القدماء، أدلته الأحفورية قليلة، لكنه ترك آثارا قابلة للتتبع في حمض الإنسان الحديث النووي؛ وتكتسب هذه الآثار أهمية خاصة في أوقيانوسيا وبعض الجماعات الآسيوية.

لا يتمثل جوهر الدراسة فقط في واقعة «حدوث الاختلاط» ذاتها، بل في ما إذا كانت هذه المقاطع القديمة لا تزال تؤدي وظيفة بيولوجية. وبعد تحليل بيانات جينية لسكان عبر المحيط الهادئ، وجد الفريق أن بعض المتغيرات ذات الأصل الدينيسوفي لا تزال في حالة نشاط حتى اليوم، وترتبط بتنظيم جينات ذات صلة بالمناعة. وبعبارة أخرى، قد تكون التركيبات الوراثية التي خلّفتها جماعات بشرية قديمة عندما واجهت ضغوط مسببات المرض في بيئات الجزر والغابات المطيرة والسواحل قد حُفظت لدى جماعات بشرية لاحقة.

وتذكّر هذه الأبحاث أيضا بأن الحمض النووي «الوافد» من منظور تطوري ليس بالضرورة بقايا صامتة. فقد سبق للعلماء أن ربطوا مقاطع وراثية من إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفا بالجلد والتكيفات الفسيولوجية والاستجابات المناعية؛ أما التحليل الجديد فيدفع التركيز نحو أوقيانوسيا القريبة، مظهرا أن الإرث البشري القديم لدى الجماعات المحلية قد يكون أكثر تعقيدا من اختلاط واحد، بل ناجما عن عدة جماعات دينيسوفية متمايزة بعضها عن بعض.

غير أن المعلومات المتاحة علنا لا تزال محدودة، ولا يمكن تفسير هذه المتغيرات الجينية مباشرة على أنها خطر مرضي معين أو ميزة مناعية. فبين كون المقطع الجيني «لا يزال نشطا» وبين «إحداث نتيجة يمكن التنبؤ بها» سريريا، توجد طبقات من الأسئلة تشمل التجارب الخلوية، والتحقق على مستوى الجماعات السكانية، والتفاعلات البيئية. وبخاصة أن الاستجابة المناعية غالبا ما تكون ذات وجهين: فالاستجابة المفيدة ضد العدوى قد تزيد في بعض السياقات عبء الالتهاب أو المناعة الذاتية.

تكمن دلالة هذا الاكتشاف، بدرجة أكبر، في إعادة رسم تاريخ البشر. فبعد خروج الإنسان الحديث من إفريقيا، لم يسر على مسار واحد استبدل فيه كل البشر القدماء، بل التقى في مناطق مختلفة بجماعات مختلفة، وتزاوج معها، ثم افترق عنها، وحمل جزءا من مادتها الوراثية إلى الحاضر. ولذلك أصبح جينوم شعوب المحيط الهادئ أرشيفا دقيقا جدا للهجرة، لا يسجل فقط أين وصل الأسلاف، بل أيضا مع من عاشوا في وقت من الأوقات.

وفي زمن بات فيه الطب الجيني يولي أهمية متزايدة لبيانات الجماعات السكانية المتنوعة، تحمل هذه الدراسات تذكيرا واقعيا آخر: إذا ظلت قواعد البيانات منحازة لفترة طويلة نحو السكان من أصول أوروبية، فقد يُستهان بكثير من الخيوط الوراثية المرتبطة بالمناعة أو الأيض أو التكيف البيئي. فالحمض النووي القديم لإنسان دينيسوفا لا يقسم الإنسان الحديث إلى أنماط بسيطة؛ بل ما يكشفه حقا هو أن بين صحة الإنسان وتاريخه التطوري صلة أعمق وأكثر تعقيدا مما كان يُتصور.

References

  1. ScienceDaily Top Science