الأحياء · global
العثور على مفاتيح ظلت نائمة 400 مليون سنة في جينومات النباتات
تُعيد دراسة مقارنة شملت مئات الأنواع النباتية وضع الحمض النووي الذي لا يصنع البروتينات على مسرح التطور: فقد تكون تلك المقاطع التي حُفظت طويلاً مقابض قديمة تنظّم صفات المحاصيل.
جينوم النبات ليس مجرد قائمة جينات، بل يشبه أيضاً دليلاً تشغيلياً خضع لتنقيحات طويلة. وتشير دراسة نُشرت حديثاً في مجلة Science إلى أن كثيراً من مقاطع الحمض النووي غير المسؤولة عن تصنيع البروتينات ليست ضجيجاً في مسار التطور؛ فقد بقيت محفوظة بعد مئات الملايين من السنين، ما يدل على أنها قد تضطلع بمهام أساسية في تنظيم متى وأين وبأي قوة تُفعَّل الجينات.
قارن فريق البحث 314 جينوماً نباتياً، تشمل 284 نوعاً و72 فصيلة نباتية، من بينها سلالات ذوات الفلقتين وذوات الفلقة الواحدة وعاريات البذور والطحالب. وباستخدام أداة حاسوبية طُورت حديثاً باسم Conservatory، حددوا أكثر من 2.3 مليون مقطع من التسلسلات غير المشفرة المحفوظة، وهي ما يُشار إليه غالباً بالإنجليزية باسم CNS. هذه التسلسلات لا تشفر البروتينات مباشرة، لكنها قد تعمل مثل مفاتيح أو مخفِّتات إضاءة أو لافتات إرشاد، فتؤثر في كيفية نمو النباتات وإزهارها وتكيّفها مع الإجهاد وتكوين صفات قابلة للحصاد.
تكمن أهمية هذه المقاطع في أن «الحفظ» بحد ذاته دليل. فإذا بقي مقطع من الحمض النووي محفوظاً عبر تطور طويل شهد تفرع الأنواع وإعادة تنظيم الجينومات وتعدد الصيغ الصبغية، فذلك يعني عادةً أنه قد يحمل قيمة وظيفية للبقاء أو التكاثر. والقول في الدراسة إن بعض التسلسلات يمكن تتبعه إلى أكثر من 400 مليون سنة لا يعني أن وظيفة كل مقطع قد أُثبتت تجريبياً؛ والأدق أنه خريطة واسعة النطاق للمرشحات، تحدد المناطق التنظيمية الأجدر بالاختبار لاحقاً.
كما يستجيب تصميم Conservatory لجانب بالغ التعقيد في جينومات النباتات. فكثير من المحاصيل وأقاربها البرية مرّت بتضاعف كامل للجينوم أو إعادة ترتيب للمقاطع أو تباينات بنيوية، ومجرد محاذاة كروموسوم بآخر غالباً ما يفوّت الإشارات القديمة المحفوظة. وتوضح صفحة المشروع والشيفرة المنشورة أن هذه الطريقة تعتمد استراتيجية تدريجية متمحورة حول الجينات للمقارنة، مع مراعاة التباينات البنيوية وتعدد الصيغ الصبغية، بما يتيح للباحثين تتبع حفظ المناطق غير المشفرة بين أعداد كبيرة من الجينومات.
بالنسبة إلى التكنولوجيا الحيوية الزراعية، لا تكمن جاذبية هذه الخريطة في أنها تقدم أصنافاً جديدة فوراً، بل في أنها تضيق نطاق البحث. فكثيراً ما يسعى استنباط المحاصيل والتحرير الجيني إلى ضبط دقيق للمحصول أو بنية النبات أو موعد النضج أو مقاومة الأمراض أو تحمل الشدائد، من دون الحاجة بالضرورة إلى تعطيل الجين نفسه. وإذا أمكن تحديد العناصر التنظيمية التي تتحكم في تعبير الجينات، فقد يصبح من الممكن مستقبلاً تعديل الصفات بدقة أكبر؛ لكن معرفة أي CNS يتحكم فعلاً في أي صفات ما زالت تتطلب تجارب جزيئية وبيانات حقلية وتحققاً ضمن خلفيات أنواع مختلفة.
تضع هذه الدراسة أيضاً الأسلاف البرية والمحاصيل المزروعة على الخريطة التطورية نفسها. وهذا مفيد على نحو خاص، لأن كثيراً من المحاصيل الحديثة فقدت جزءاً من تنوعها الوراثي أثناء التدجين، بينما غالباً ما تحتفظ الأقارب البرية بمؤشرات على تحمل الجفاف أو الحرارة أو مقاومة الأمراض أو غير ذلك من التكيفات البيئية. وإذا أمكن ربط التسلسلات غير المشفرة المحفوظة بوظائف فسيولوجية محددة، فقد تساعد الباحثين على فهم أي البنى التنظيمية قديمة ومستقرة، وأيها أُعيد ترتيبها في سلالات بعينها.
ومع ذلك، لا يزال هذا محطة وسطى في الطريق من التنبؤ الحاسوبي إلى الوظيفة البيولوجية. فالحفظ يمكن أن يشير إلى الأهمية، لكنه لا يغني عن التحقق الوظيفي؛ ووجود التسلسل في قاعدة بيانات لا يعني أيضاً أنه يمكن تحويله مباشرة إلى محصول قابل للتسويق. أما الخطوة الحاسمة التالية فهي ربط هذه المفاتيح المرشحة بتعبير الجينات وقياسات الأنماط الظاهرية والظروف البيئية وتجارب التحرير. وربما لا يتمثل الاختراق الحقيقي فقط في العثور على حمض نووي قديم، بل في تعلم قراءة الطريقة التي حفظت بها النباتات هذه المفاتيح وأعادت كتابتها واستخدمتها عبر 400 مليون سنة.