علم الأحياء · global
العاثيات تكشف مفتاح الضعف في جدار الخلية البكتيرية
تجعل البكتيريا المقاومة للأدوية المضادات الحيوية القديمة أقل قدرة على المواكبة؛ وتُظهر دراسة في علم الأحياء البنيوي أن عدة فيروسات غير مرتبطة ببعضها تقفل بروتين MurJ بطرق متقاربة، ما يقدم دليلا واضحا للبحث عن أهداف جديدة مضادة للبكتيريا، لكن الطريق التجريبي إلى الدواء لا يزال طويلا.
غالبا ما يوصف تهديد البكتيريا المقاومة للأدوية بأنه سباق بين تطوير الأدوية وتطور الميكروبات. وتأتي الإشارة الجديدة من معلّم غير متوقع: العاثيات، وهي فيروسات متخصصة في إصابة البكتيريا. وفقا لدراسة نشرها فريق من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في Nature، تستطيع عدة بروتينات فيروسية لا تربطها صلة قرابة واضحة أن تثبت بروتين MurJ، اللازم لبناء جدار الخلية البكتيرية، في البنية نفسها، فتوقف أعمال بناء الجدار الخلوي وتؤدي في النهاية إلى موت البكتيريا.
MurJ هو إنزيم “قلب” موجود على الغشاء الداخلي للبكتيريا، ومسؤول عن نقل طلائع الببتيدوغليكان من الجانب الداخلي للخلية إلى الجانب الخارجي، بحيث يمكن وصلها بجدار الخلية الآخذ في التمدد. والببتيدوغليكان مادة أساسية لكثير من البكتيريا للحفاظ على شكلها ومقاومة الضغط الأسموزي، ولا تمتلك الخلايا البشرية هذه البنية، لذلك كان منذ زمن طويل اتجاها مهما في تطوير المضادات الحيوية. وقد أثبت البنسلين والأدوية ذات الصلة بالفعل أن تعطيل بناء الجدار الخلوي يمكن أن يقتل البكتيريا بفاعلية؛ أما هذه الدراسة فتنقل النظر إلى خطوة نقل أبكر وأكثر داخلية.
ركز الفريق على بروتينات التحلل أحادية الجين التي تستخدمها العاثيات الصغيرة لتحليل مضيفها، ويُختصر اسمها بالإنجليزية إلى Sgl. وباستخدام المجهر الإلكتروني فائق البرودة، حلل الباحثون البنى عالية الدقة لبروتين MurJ عند ارتباطه ببروتينات Sgl مختلفة، ووجدوا أن SglM وSglPP7 وSglCJ3 المكتشف حديثا كلها تنغرس في أخدود MurJ، مما يبقي هذا البروتين في حالة مفتوحة نحو الخارج. وبالنسبة إلى بروتين ناقل يجب أن يبدل بنيته بين الجانبين الداخلي والخارجي، فإن ذلك يعادل الضغط على مكبح ميكانيكي.
ما يمنح هذا الاكتشاف وزنه الحقيقي ليس مجرد “العثور على بروتين تهاجمه الفيروسات”، بل أن فيروسات مختلفة تبدو قد طورت، كل على حدة، استراتيجيات متشابهة. ويشير هذا التطور التقاربي إلى أن MurJ قد يكون واحدا من المواضع القليلة في فسيولوجيا البكتيريا التي تجمع بين الأهمية الحاسمة وقابلية التدخل الدقيق. وإذا كانت العاثيات في الطبيعة تختار نقطة الضعف نفسها مرارا، فلدى مطوري الأدوية سبب وجيه لدراسة ما إذا كان يمكن تقليدها بجزيئات صغيرة أو بتصاميم علاجية أخرى.
مع ذلك، لا يزال هذا في المقام الأول إنجازا في البحث الأساسي وعلم الأحياء البنيوي، وليس مضادا حيويا جديدا وصل إلى السوق. وتُظهر المعلومات العامة أن الدراسة أثبتت كيف تثبط بروتينات العاثيات MurJ وقدمت مخططا تصميميا محتملا؛ لكن تحويل البنية التي يرتبط فيها البروتين بالهدف إلى دواء يمكنه دخول جسم الإنسان، والوصول بثبات إلى موضع العدوى، وألا يستحث مقاومة بسرعة، سيظل يتطلب فحص مركبات، واختبارات نشاط، وتقييمات سمية، ودراسات على الحيوانات أو دراسات سريرية.
يذكّر هذا الاكتشاف أيضا بأن مشكلة مقاومة الأدوية لا يلزم أن تُواجه فقط بتعديل الأدوية الموجودة. فقد خاضت العاثيات والبكتيريا مواجهة طويلة الأمد، وجربت الطبيعة بالفعل كثيرا من استراتيجيات قتل البكتيريا؛ وقد يساعد تفكيك هذه الاستراتيجيات على المستوى الذري في الإشارة إلى مداخل جديدة لتطوير المضادات الحيوية. ولا يمكن الآن الجزم بما إذا كان ذلك سيغير مشهد علاج البكتيريا الخارقة؛ لكن MurJ، مفتاح الجدار الخلوي هذا الذي تستهدفه الفيروسات مرارا، أصبح بالفعل هدفا مرشحا واضحا يستحق جولة التجارب التالية.