علم الأحياء · global
باستخدام الضوء بدلا من البروتينات لـ«تربيتها»، علماء يجعلون المفاتيح الجزيئية تتعلم الاستشعار والحساب
تربط طريقة جديدة باسم optovolution بين الفرز التطوري والإشارات المتحكم بها بالضوء، ما يتيح للباحثين تطوير بروتينات قادرة على تبديل حالتها، وتمييز الألوان، بل وحتى تنفيذ أحكام منطقية بسيطة بسرعة أكبر. ولا يزال هذا عملا مبكرا في تطوير الأدوات، لكنه يفتح مسارا تصميميا أكثر ديناميكية أمام علم الأحياء التركيبي.
داخل الخلايا، لا تكون البروتينات قطعا ساكنة أبدا. فهي تنطوي، وترتخي، وترتبط، وتنفصل، وتستجيب للإشارات في اللحظة المناسبة. لطالما سعى علم الأحياء التركيبي إلى تحويل هذه السلوكيات الجزيئية إلى أدوات قابلة للتحكم، لكن الصعوبة الحقيقية لا تكمن فقط في «صنع بروتين»، بل في جعله يتصرف وفق قواعد داخل خلايا حية. ويركز هذا البحث تحديدا على توجيه قوة الفرز التطوري نحو هذا النوع من السلوكيات الديناميكية.
وفقا لتقرير ScienceDaily، طرح الباحثون طريقة تسمى optovolution تستخدم الضوء لتوجيه تطور البروتينات. عدل الفريق خلايا الخميرة بحيث يعتمد بقاؤها على ما إذا كانت البروتينات المرشحة قادرة على تبديل حالتها بشكل صحيح في أوقات محددة؛ فتبقى المتغيرات الأفضل أداء، بينما تستبعد المتغيرات الضعيفة. بعبارة أخرى، لم يكن الضوء مجرد أداة للمراقبة، بل أصبح جزءا من قواعد الفرز.
تكمن براعة هذا التصميم في أنه يحول الأداء الجزيئي المجرد إلى ضغط حياة أو موت على مستوى الخلية. فإذا تمكن البروتين من تفعيل الجينات ذات الصلة أو إيقافها وفقا لظروف الإضاءة، تصبح الخميرة أكثر احتمالا للبقاء؛ أما إذا كان رد الفعل بطيئا، أو حدث تفعيل خاطئ، أو اتجهت الاستجابة في الاتجاه غير الصحيح، فيصعب عليها اجتياز الفرز. ومن خلال تكرار الطفرات والانتقاء، يستطيع الباحثون العثور بسرعة أكبر، بين أعداد كبيرة من الجزيئات المرشحة، على النسخ التي تمتلك السلوك المستهدف.
وأشار التقرير إلى أن هذه التقنية أنتجت بالفعل بروتينات جديدة حساسة للضوء، قادرة على الاستجابة لألوان مختلفة من الضوء، كما حسنت بعض أنظمة علم البصريات الوراثي. وقد استخدم علم البصريات الوراثي غالبا للتحكم الدقيق في النشاط الخلوي، مثل تشغيل الجينات أو الإشارات الخلوية وإيقافها بأطوال موجية محددة؛ وإذا تحسنت انتقائية اللون، وسعة الاستجابة، وموثوقية بروتينات الأدوات، فقد يتمكن الباحثون من ترتيب برامج تحكم أكثر تعقيدا داخل الخلية أو النسيج نفسه.
والأكثر لفتا للانتباه أن الفريق طور أيضا بروتينا ذا سلوك بوابة منطقية بسيط: فهو لا يفعّل التعبير الجيني إلا عندما تكون إشارتان موجودتين في الوقت نفسه. وإذا أمكن توسيع هذا النوع من حكم «AND» على المستوى الجزيئي بصورة مستقرة، فقد يتيح للخلايا ألا تكتفي بتلقي الأوامر بشكل سلبي، بل أن تصدر استجابات مشروطة بين عدة مؤشرات بيئية.
ومع ذلك، وبناء على الملخص المتاح علنا حتى الآن، لا يزال من الصعب الحكم على مدى قدرة هذه الطريقة على العمل عبر عائلات بروتينية مختلفة، أو خلايا مضيفة مختلفة، أو في سياقات أقرب إلى التطبيقات السريرية والصناعية. فالخميرة منصة هندسية قوية، لكن عند تغير نوع الخلية، قد يعيد طي البروتينات، ومستوى التعبير، والسمية، والإشارات الخلفية، كتابة النتائج كلها. ومن الأنسب فهم هذا البحث بوصفه اختراقا منهجيا، لا تقنية علاجية أو منتجا قابلا للاستخدام الفوري.
تكمن أهميته البعيدة المدى في أن هندسة البروتينات تنتقل من تصميم وظائف ثابتة إلى تصميم سلوكيات جزيئية يمكن توجيهها بحسب السياق. وإذا أمكن دمج optovolution مع التنبؤ البنيوي، والتعلم الآلي، والتسلسل عالي الإنتاجية، فقد يستطيع باحثو المستقبل تطوير أجهزة استشعار ومفاتيح وعناصر حوسبة داخل الخلايا بصورة أكثر منهجية. فجزيئات الحياة بارعة بطبيعتها في الاستجابة للبيئة؛ واليوم، يحاول العلماء استخدام الضوء لإعادة كتابة أسئلة الاختيار التي توجهها.