التكنولوجيا الحيوية · global
الذكاء الاصطناعي يكتب جينومات كاملة لعاثيات قابلة للعمل، موفراً أداة جديدة لمكافحة العدوى المقاومة للأدوية ومثيراً تحديات تنظيمية
أصبحت الفيروسات المصممة بواسطة النماذج قادرة على إصابة البكتيريا في المختبر، كما توفر مادة وراثية جديدة للتغلب على مقاومة العاثيات؛ لكنها لا تزال بعيدة عن علاج المرضى، وقد لا تتمكن فحوص تخليق الحمض النووي الحالية من التعرف إلى التسلسلات شديدة الجدة.
في وقت تفقد فيه المضادات الحيوية فعاليتها تدريجياً، يقدم العلاج بالعاثيات مساراً مختلفاً: فبدلاً من تثبيط البكتيريا بالأدوية، تُستخدم فيروسات متخصصة لإصابتها وتدميرها. والآن، نقل الباحثون استخدام الذكاء الاصطناعي من تصميم بروتين واحد إلى تصميم جينومات فيروسية كاملة، بحيث لا يعود البحث عن عاثيات جديدة مقيداً كلياً بالعينات الموجودة بالفعل في الطبيعة. وقد توسّع هذه القدرة مجموعة الأدوات المستخدمة لمكافحة العدوى المقاومة للأدوية، لكنها تضع أيضاً قواعد السلامة الحيوية أمام تحديات جديدة في التعرف إلى المخاطر.
استخدم فريق البحث العاثية ΦX174، التي لا تصيب سوى البكتيريا، نموذجاً مرجعياً، وأجرى ضبطاً إضافياً لنموذج الجينوم Evo باستخدام 14,466 تسلسلاً من عائلة Microviridae. ويُعد تصميم جينوم كامل أصعب بكثير من توليد جين واحد: إذ تضم ΦX174 نحو 5,386 نوكليوتيداً و11 جيناً متداخلاً، ويتعين على النموذج الحفاظ بالتزامن على وظائف مثل التضاعف والتغليف والتنظيم والتعرف إلى المضيف، بينما قد يؤثر أي تغيير في موضع واحد في مكونات متعددة.
من بين 285 تصميماً أُرسلت إلى المختبر، أكد الباحثون أن 16 عاثية كانت وظيفية. وتمكنت هذه العاثيات من التكاثر في السلالة C غير الممرضة من الإشريكية القولونية وفي سلالة W القريبة منها، لكنها لم تنمُ في ست سلالات أخرى خضعت للاختبار؛ وكان الفريق قد أبقى في مرحلة التصميم على خصائص البروتين الشوكي المرتبطة بنطاق المضيف، بهدف حصر الكائنات التي يمكن إصابتها. واختلفت بعض المنتجات النهائية عن أقرب جينوم طبيعي بمئات الطفرات، بل إن أحدها قد يُعد نوعاً جديداً وفق بعض عتبات التصنيف.
أما الاختبار الأقرب إلى الاحتياجات الطبية فكان معرفة ما إذا كان بالإمكان مواكبة تطور البكتيريا. فقد أنشأ الفريق أولاً ثلاث سلالات مقاومة للعاثية الطبيعية ΦX174، ثم أخضع مجموعات مختلطة مؤلفة من عدة عاثيات صممها الذكاء الاصطناعي لتمرير متسلسل. وتغلبت هذه المجموعات على مقاومة السلالات الثلاث خلال دورة إلى خمس دورات تمرير، في حين عجزت ΦX174 الطبيعية عن ذلك؛ وكانت العاثيات الناجحة عبارة عن جينومات خيمرية تكونت عبر إعادة تركيب عدة تصميمات، ما يشير إلى أن التنوع الذي يولده الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر نقطة انطلاق أوسع للتطور اللاحق.
مع ذلك، لا يمثل هذا منتجاً جاهزاً لعلاج العدوى المقاومة للأدوية. فقد أُجريت الدراسة على عدد محدود فقط من سلالات الإشريكية القولونية المختبرية، كما ظل التغلب على المقاومة معتمداً على التمرير وإعادة التركيب، ولم تُجب الدراسة بعد عن أسئلة تتعلق بسلامة العاثيات داخل الحيوانات أو البشر، والاستجابة المناعية، والحركية الدوائية، والتصنيع المستقر. وتمثل النتائج الحالية تصميماً لجينوم كامل وتحققاً من وظيفته في المختبر، لا فعالية سريرية.
استبعد الباحثون عمداً من بيانات التدريب الفيروسات التي تصيب البشر والكائنات حقيقية النوى الأخرى، واستخدموا مضيفاً غير ممرض، وعززوا إجراءات العزل المختبري والتعامل مع النفايات. وقد خفضت هذه التدابير مخاطر هذا العمل، لكنها لا تثبت أن جميع النماذج المستقبلية ستلتزم بالحدود نفسها. وأشار المشرف على الدراسة أيضاً إلى أن المنهج المستخدم آنذاك كان لا يزال يتطلب قدراً كبيراً من الخبرة المتخصصة والوقت والقدرات المختبرية، ولم يكن قد خفض بصورة واضحة عتبة تصنيع فيروسات خطرة.
تظهر المشكلة التنظيمية الأصعب فعلياً بعد خروج التسلسل من النموذج ودخوله مرحلة تخليق الحمض النووي. فلا تزال فحوص السلامة الحيوية لدى بعض الموردين طوعية، بينما تعتمد الأنظمة التقليدية في الغالب على درجة التشابه مع تسلسلات مسببات الأمراض المعروفة؛ وقد يكون من الأصعب على هذه الأساليب التعرف إلى الجينومات التي يولدها الذكاء الاصطناعي وتختلف بدرجة أكبر عن الفيروسات الطبيعية. وإذا استمر تصميم الجينومات الكاملة في التقدم، فلا يمكن أن يقتصر تركيز الحوكمة على بيانات تدريب النماذج، بل يجب أن يشمل أيضاً فحص الطلبات، والتحقق من العملاء، وتقييم المخاطر الوظيفية، والضوابط المختبرية، حتى يمكن إنشاء خط دفاع قابل للتنفيذ يوازن بين الإمكانات العلاجية ومخاطر إساءة الاستخدام.