البيئة وصحة المدن · global
دبي تضع الذكاء الاصطناعي والحدائق وسوق الصقور في اختبار واحد للنظام البيئي الحضري
تبدو المشاريع البلدية الثلاثة وكأنها تنتمي إلى مجالات منفصلة: المشهد الحضري، والسياحة الليلية، والصناعات التقليدية. لكنها في الواقع تشير مجتمعة إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف يمكن لمدينة سريعة النمو أن تجد حدودا بين الحوكمة التقنية، والمساحات الخضراء العامة، والعلاقة بين الإنسان والحيوان.
الجولة الجديدة من الاستثمارات البلدية في دبي ليست مجرد مشروع لتحسين صورة المدينة. فعندما تُدخل مدينة صحراوية الذكاء الاصطناعي في تصميم الحدائق، وتخطط لإضاءة ضفاف خور بطول 8 كيلومترات، وتبني سوقا كبيرا للصقور، فإنها تلامس في الواقع مسألة بيئية باتت المدن الحديثة تجد صعوبة متزايدة في تجنبها: كيف يمكن للمساحات الخضراء أن تخدم صحة الإنسان، من دون تحويل الطبيعة إلى مجرد ترتيب بصري في المشهد.
وفقا لتقارير Khaleej Times و«تايمز أوف إنديا»، وافق ولي عهد دبي الشيخ حمدان على ثلاثة مشاريع لبلدية دبي، تشمل تحدي تصميم الحدائق بالذكاء الاصطناعي، وسوق دبي للصقور، ومشروع إضاءة خور دبي بطول 8 كيلومترات. وتقابل هذه المشاريع، على التوالي، الفضاء العام، والاقتصاد الثقافي التقليدي، والأنشطة الليلية على الواجهة المائية، فيما تؤكد الرواية الرسمية جودة المدينة والسلامة وجاذبيتها السياحية.
أكثر هذه المشاريع دلالة من منظور بيولوجي وصحي هو تصور حديقة الذكاء الاصطناعي. وبحسب المعلومات المنشورة حتى الآن، ستدعو دبي معماريين ومخططي مدن وطلابا وباحثين وشركات ناشئة وخبراء ذكاء اصطناعي ومبتكرين تقنيين إلى استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لطرح تصاميم للمساحات الخضراء العامة في المستقبل. فإذا شملت البيانات البيئة الحرارية، وحركة الناس، وتوزيع النباتات، والظل، والموارد المائية، وسلوك الاستخدام، فقد يساعد الذكاء الاصطناعي فعلا المدن على ترتيب مناخات محلية أكثر راحة في بيئات عالية الحرارة؛ لكن التقارير الحالية لا توضح مصادر البيانات، أو معايير التقييم، أو ما إذا كانت الأنواع المحلية والترابط البيئي قد أُدرجت، ولذلك لا يمكن بعد تفسيره كخطة مثبتة تمتلك بالفعل فوائد بيئية.
أما مشروع إضاءة خور دبي فيرتبط بصورة أكثر مباشرة بالجانب الآخر من بيئة المدينة. وتقول «تايمز أوف إنديا» إن مشروع إضاءة الواجهة المائية بطول 8 كيلومترات من المتوقع أن يكتمل في الربع الأول من عام 2027، وتشمل أهدافه تعزيز السلامة والسياحة الليلية وأنشطة الواجهة المائية. ويمكن للإضاءة أن تغيّر أوقات استخدام الفضاء العام، كما قد تغيّر الإيقاعات الليلية للحشرات والطيور والكائنات الحية على ضفاف المياه؛ ولم تقدم التقارير بعد تفاصيل مثل درجة حرارة لون الإضاءة، أو تصميم حجب الضوء، أو التحكم في شدة الإضاءة، أو تقييم الأثر البيئي، وهي التفاصيل التي ستكون مفتاح الحكم على ما إذا كان المشروع قادرا على الموازنة بين حيوية المدينة واضطراب الكائنات الحية.
أما مشروع سوق دبي للصقور، فيضع التقاليد الثقافية وحوكمة الحيوان في ساحة واحدة. وتقول التقارير ذات الصلة إن السوق سيكون وجهة متكاملة للصقور، على مساحة تقارب 50,000 قدم مربعة، وبكلفة تقديرية تبلغ 50 مليون درهم. وللصقور مكانة ثقافية عميقة في منطقة الخليج، لكن أي سوق يتمحور حول الطيور الجارحة سيشمل قضايا الرفق بالحيوان، والحجر الصحي، والمصادر القانونية، ورصد الأمراض، وقواعد الحماية العابرة للحدود؛ أما الملخصات المنشورة حتى الآن فتركز على الحجم والتموضع، ولا تزال تفتقر إلى شرح محدد لترتيبات الرقابة.
ومن اللافت أيضا أن بلدية دبي تخطط للتعاون مع معماريين دوليين، بما في ذلك مشاركة كينغو كوما في Reservoir Park، الذي يُقال إنه سيكون أول مشروع حديقة له في دبي. ويشير ذلك إلى أن دبي باتت تنظر إلى الحدائق بوصفها جزءا من القدرة التنافسية للمدينة، لا مجرد مرافق ترفيهية. ومن منظور علم الأحياء والصحة العامة، لا يكمن الاختبار الحقيقي في ما إذا كان الشكل طليعيا، بل في ما إذا كانت الزراعة قادرة على خفض الحرارة، وما إذا كانت التربة والمياه تُداران على نحو ملائم، وما إذا كان المشي والتوقف يعززان النشاط اليومي، وما إذا كان التصميم يتيح أيضا موطنا للحياة غير البشرية داخل المدينة.
لذلك فإن المعنى المشترك لهذه المشاريع الثلاثة ليس السرديات المبسطة من نوع «الذكاء الاصطناعي يجعل الحدائق أذكى» أو «الإضاءة تجعل الواجهة المائية أجمل»، بل إن دبي تُدخل الطبيعة الحضرية، والبنية التحتية المصنوعة، وصناعة الحيوانات الثقافية ضمن تصور حوكمة واحد. ولا تزال المعلومات العامة محدودة إلى حد كبير، ولا تكفي بعد لتقييم نتائجها البيئية؛ لكنها تطرح بالفعل سؤالا واضحا: إذا أرادت مدن المستقبل أن تدعي أنها أكثر ملاءمة للعيش، فعليها أن تجيب في الوقت نفسه عن راحة الإنسان، ووضع الحيوان، وتأثير البيئة الليلية في عالم الكائنات الحية.