التكنولوجيا الحيوية · global
اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي يتجه نحو بيانات البشر، والعنق الزجاجي الحقيقي ليس في النماذج وحدها
عندما ينقل تطوير الأدوية تركيزه من الخوارزميات الأنيقة إلى بيانات أقرب إلى المرضى، يُعاد تعريف قيمة الذكاء الاصطناعي أيضا: إذ يجب أن يقدم إجابات بين بيولوجيا الإنسان، ومسارات التحقق، وثقة الجهات التنظيمية.
غالبا ما لا يكون الخطأ الأعلى تكلفة في تطوير الأدوية الجديدة أن الحاسوب أخطأ في الحساب، بل أن العالم الذي تعلّمه النموذج بعيد جدا عن جسم الإنسان. وقد أشارت Labiotech.eu مؤخرا، تحت عنوان "human-first datasets"، إلى أن اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي يتحول من السعي المحض وراء نماذج أكبر إلى إعطاء أهمية أكبر لبناء فرضيات دوائية اعتمادا على بيانات مصدرها البشر؛ وهذا التحول ليس لافتا بصريا مثل عروض الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنه قد يكون أقرب إلى نقطة الألم الحقيقية في البحث والتطوير الطبي الحيوي.
ما يُقصد عادة بالبيانات التي تضع الإنسان أولا هو عينات المرضى، والأنماط الظاهرية السريرية، والأنسجة البشرية، وبيانات الخلية الواحدة والبيانات متعددة الأوميكس، والسجلات الطبية من العالم الحقيقي، أو البيانات الناتجة عن نماذج مثل العضيات المصغرة وشرائح الأعضاء، والتي تكون أقرب إلى الاستجابة البشرية. ودورها ليس أن تجعل الذكاء الاصطناعي "يخترع" أدوية من العدم، بل أن تساعد فرق البحث على الحكم على الأهداف التي يُرجح أن تكون أكثر ارتباطا بآليات المرض، والجزيئات التي تستحق مزيدا من التحقق في سياق بشري.
وهذا يغيّر أيضا مركز السرد في اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي. فقد ركزت حالات كثيرة في المراحل المبكرة على مدى سرعة النماذج في فرز المركبات، أو تصميم البروتينات، أو التنبؤ بالبنى؛ لكن إذا كانت بيانات التدريب تأتي أساسا من الحيوانات، أو خطوط الخلايا، أو قواعد بيانات عامة متفرقة، فقد تظل الأدوية المرشحة عرضة للتعثر بعد دخولها إلى البشر بسبب نقص الفاعلية أو مشكلات السلامة. وجاذبية البيانات البشرية تكمن تحديدا في محاولة كشف الفشل في مراحل أبكر من البحث والتطوير، بدلا من انتظار التجارب السريرية المكلفة لاكتشاف أن الفرضية لا تصمد.
ومع ذلك، فإن هذا النوع من البيانات هو أيضا الأصعب معالجة. فمجموعات المرضى شديدة التغاير، وغالبا ما تُجزأ صيغ البيانات بين مستشفيات ومنصات ومشاريع بحثية مختلفة؛ وقد يكون عدد العينات غير كاف، بينما تكون الانحيازات عميقة. وإذا لم توضح أنظمة الذكاء الاصطناعي مصادر البيانات، وشروط إدخال المشاركين، وحدود التحليل، فإن ما يسمى "الأقرب إلى الإنسان" قد لا يكون سوى تغليف لعدم اكتمال العالم السريري داخل نموذج أكثر تعقيدا.
لا تقدم الملخصات المتاحة علنا في الوقت الحالي بيانات عن شركات محددة، أو حجم مجموعات البيانات، أو أداء النماذج، أو نتائج تحقق من تجارب رطبة، لذلك لا يمكن تفسير هذا التوجه على أنه دليل على أن تقنية بعينها أثبتت قدرتها على رفع معدل النجاح السريري. والصياغة الأكثر تحفظا هي أن الصناعة تدفع معايير تقييم اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي إلى مراحل لاحقة: فلا يُنظر فقط إلى عدد الجزيئات المرشحة التي يستطيع توليدها، بل أيضا إلى ما إذا كان قادرا على تقديم فرضيات بيولوجية قابلة للتتبع، وقابلة للتكرار، وقابلة لأن تدحضها التجارب والبيانات السريرية.
**السياق الخلفي**
يتقارب هذا الاتجاه أيضا مع عدة مسارات حديثة في البحث والتطوير الطبي الحيوي. فمن جهة، يدفع تصميم الأجسام المضادة، وبنى البروتينات، وتحليل البيانات متعددة الأوميكس، الذكاء الاصطناعي إلى مراحل أبكر من الاكتشاف الجزيئي؛ ومن جهة أخرى، تُدفع الاختبارات غير الحيوانية، والعضيات المصغرة، ونماذج الأنسجة البشرية، نحو قلب الأطر المؤسسية. وعند نقطة التقاطع بينهما يظهر سؤال أكثر عملية: إذا أراد الذكاء الاصطناعي المشاركة في قرارات الأدوية الجديدة، فعليه أن يجعل البيانات، والنماذج التجريبية، والأدلة التنظيمية تتحدث باللغة نفسها.
لذلك، فإن "human-first" ليس شعارا يضمن النجاح، بل اختبار ضغط. فهو يطلب من اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي أن ينتقل من قدرات تنبؤية مبهرة إلى مسؤولية أثقل: هل تمثل البيانات مرضى حقيقيين، وهل يمكن التحقق من النتائج تجريبيا، وهل يمكن للمراجعين فهم الاستدلال. يحتاج تطوير الأدوية الجديدة إلى السرعة، لكن أمام بيولوجيا الإنسان لا تكون السرعة ذات معنى إلا عندما تكون سلسلة الأدلة متينة بما يكفي.